المحقق البحراني
16
الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية
معاصيه ؛ لأنّه ظاهر العدل والنصفة والحكمة البالغة . بالغ الحجة بالإعذار والإنذار ، وإليه الصفوة يصطفي من عباده من يشاء لتبليغ رسالته واحتجاجه على عباده ، اصطفى محمدا صلَّى اللَّه عليه وآله وبعثه برسالاته إلى خلقه ، فقال من قال من كفّار قومه حسدا واستكبارا : * ( لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) * ( 1 ) يعني بذلك اميّة بن أبي الصلت ، وأبا مسعود الثقفي ، فأبطل الله اختيارهم ولم يجز لهم آراءهم حيث يقول : * ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا ورَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) * ( 2 ) . ولذلك اختار من الأمور ما أحبّ ، ونهى عمّا كره ، فمن أطاعه أثابه ، ومن عصاه عاقبه ولو فوض اختيار أمره إلى عباده لأجاز لقريش اختيار اميّة بن أبي الصلت وأبي مسعود الثقفي ؛ إذ كانا عندهم أفضل من محمد صلَّى اللَّه عليه وآله . فلهذا أدّب الله المؤمنين بقوله * ( وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى الله ورَسُولُه أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) * ( 3 ) ، فلم يجز لهم الاختيار بأهوائهم ، ولم يقبل منهم إلَّا اتّباع أمره واجتناب نهيه على يدي من اصطفاه ، فمن أطاعه رشد ومن عصاه ضلّ وغوى ولزمته الحجة بما ملكه من الاستطاعة لاتباع أمره واجتناب نهيه ؛ فمن أجل ذلك حرمه ثوابه وأنزل به عقابه . وهذا القول بين القولين ليس بجبر ولا تفويض ، بذلك أخبر أمير المؤمنين عليه السّلام عباية ابن ربعي الأسدي حين سأله عن الاستطاعة التي بها يقوم ويقعد ويفعل ، فقال له أمير المؤمنين : سألت عن الاستطاعة ، تملكها من دون الله أو مع الله ؟ فسكت عباية فقال له
--> ( 1 ) الزخرف : 31 . ( 2 ) الزخرف : 32 . ( 3 ) الأحزاب : 36 .